من التُهَم التي أوردها علی الشیعةِ مخالفوهم هي مسألة الإهانة لزوجات الأنبیاء علیهم السلام. ادعی البعض كابن تیمیة ومحمد بن عبدالوهاب أنّ الشیعة ینسبون الزنا والفحشاء لعائشة وسائر زوجات الأنبیاء. ولإثبات مدعاهم استندوا إلی قول بعض الشیعة أو إلی الادعاءات المطروحة في بعض القنوات الفضائیة التي تدیرها الشیعة. والحال إنّ هذه الأقوال أولاً لیست مقبولة عند جمهور علماء الشیعة كما اعترض جمهور علماء الشیعة علی مثل هذه الأقوال. وثانیاً بالرجوع إلی أقوال جمهور علماء الشیعة یتضح أنّهم یبرؤون جمیع زوجات الأنبیاء من الزنا والفحشاء ویعتقدون أنّه مستحیلٌ وقوعُ مثل هذه الأفعال من زوجات الأنبیاء. وثالثاً صرّح بعض العلماء كالآلوسي بأنّ هذه النسبة لم تقع من الشیعة. وبهذه التفاصیل یصح استنتاج أنّ ادّعاء بعض الأفراد كابن تیمیة ومحمد بن عبدالوهاب في هذه المسألة مجرد دعوی مردودة غیر صحیحة.
المصدر :  مختصة بموقع الوهابیة

تمهید

في بعض الأحيان يؤدي عدم وجود معلومات دقيقة وصحيحة عن معتقدات وأفكار المذاهب الإسلامية الأخرى بالإنسان إلى هاوية التشهير بهذه المذاهب. لذلك دأب بعض الأشخاص الجهلاء الذین في الظاهر علماء طرحوا ادعاءات حول المعتقدات والأفكار الشيعية والتي مع القليل من التفكير والدراسة في معتقدات علماء الشيعة يتضح زيف هذه الادعاءات. وبالطبع تجدر الإشارة إلى أنّ رأي علماء المذهب يمكن اعتباره بنظرة عامة لذلك المذهب عندما یكون هذا الرأي عند جمهور علمائهم. فلا تصحّ نسبة مطلبٍ إلی مذهبٍ استناداً إلی وجهة نظر واحدٍ أو بعضٍ من العلماء الذین لهم رأي مخالف لوجهة نظر الجمهور.

من أهم الافتراءات المنسوبة إلى أتباع مدرسة أهل البيت (علیهم السلام) في الماضي هو الافتراء في باب وجهة نظر الشيعة لعائشة. لطالما ادعى بعض الجهلة أو المتحيزين في أعمالهم أن الشيعة ينسبون الفجور إلى عائشة. جاء هذا الادعاء من قبل هؤلاء الأشخاص بينما هم إما لم يقدموا أيّ دليل لإثبات هذا الادعاء أو أنهم استشهدوا برأي واحد شاذٍ أو برأي بعض علماء الشيعة. ومع ذلك فإن رأي جمهور علماء الشيعة في هذه القضية شيء آخر ويمكن القول بجرأة أن جمهور علماء الشيعة استناداً إلى أدلة متقنة عقلاً ونقلاً تبرئ زوجات الأنبياء (علیهم السلام) من ارتكاب أفعال مخالفة للعفة.

وفیما بعد سيتم نقد هذا الادعاء ودراسته مع ذكر ادعاء المخالفین للشيعة في الموضوع المذكور.

ابن تیمیة

ادعی ابن تیمیة في كتابه منهاج السنة أنّ الشیعة ینسبون الزنا إلی عائشة وزوجة نوح علیه السلام فكتب: «وهؤلاء الرافضة يرمون أزواج الأنبياء: عائشة وامرأة نوح بالفاحشة ; فيؤذون نبينا - صلى الله عليه وآله وسلم - وغيره من الأنبياء من الأذى بما هو من جنس أذى المنافقين المكذبين للرسل».[1]

محمد بن عبدالوهاب

إنّ محمد بن عبدالوهاب ادعی في بعض آثاره أنّ الشیعة تشبه الیهود ومن جملة الأمور المتشابة بینهم التي یشیر إلیها هي أنّ الیهود ینسبون الزنا لمریم وكذلك الشیعة ینسبون الفحشاء لعائشة.[2]

یقتضي الإنصاف أن یُراجَعَ إلی آثار جمهور علماء الإمامیة لیتّضح منهجهم وهل تصح هذه الادعاءات أم لا؟ سيتم تحلیل ادعاءات ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب.

تحلیل الادعاءات

أشیر فیما سبق إلی ادعاء ابن تیمیة ومحمد بن عبدالوهاب حول نسبة الشیعة إلی عائشة الفحشاء والآن یتم تحلیل هذه الدعوی:

أولا: أذعن الكثیر من علماء المذاهب بالمراجعة إلی آثار علماء الشیعة بأنّ نسبة الزنا إلی عائشة وسائر نساء النبي من الشیعة خلافٌ للواقع. كما صرّح الآلوسي في تفسیره روح المعاني: «ونسب للشيعة قذف عائشة بما برأها الله تعالى منه وهم ينكرون ذلك أشد الإنكار وليس في كتبهم المعول عليها عندهم عين منه ولا أثر أصلا، وكذلك ينكرون ما نسب إليهم من القول بوقوع ذلك منها بعد وفاته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وليس له أيضاً في كتبهم عين ولا أثر.»[3]

والآلوسي بعد البحث عن معنی خیانة زوجة النبي نوح علیه السلام وزوجة النبي لوط علیه السلام (فخانتاهما) أذعن: «وما ينسب للشيعة مما يخالف ذلك في حق سيد الأنبياء (صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم) كذب عليهم فلا تعول عليه وإن كان شائعاً».[4]

ثانیاً: بالمراجعة إلی آراء جمهور العلماء والمفسرین في مكتب أهل البیت علیهم السلام نری أنّ ادعاء ابن تیمیة ومحمد بن عبدالوهاب حول نسبة الفحشاء لعائشة وزوجة النبي نوح علیه السلام عند الشیعة لیست إلاّ دعوی واهیة غیر صحیحة. وجهات نظر علماء الشیعة حول هذا البحث توجد في كتب التفسیر والكلام وحتی كتب الأخلاق.

یشار إلی بعض وجهات نظر كبار الشیعة حوله:

أ. صرّح كثیر من علماء الإمامیة حول الآیة الشریفة: « قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ  فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ  إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ»[5] في «إنه لیس من أهلك» بأنّ القول بكون كنعان لیس الولد الحقیقي بل وُلِد (والعیاذ بالله) من الزنا إنما هو كلام غیر صحیح ومردود. مضافاً إلی هذا فقد أكد علماء الإمامیة كذلك أن أياً من زوجات الأنبياء لم ترتكب الزنا. یشار إلی بعض هذه الآراء:

1. صرّح المرحوم الطبرسي في تفسیر مجمع البیان بأنّ كنعان هو الولد الحقیقي للنبي نوح علیه السلام. إنّه لإثبات مدعاه مضافاً إلی آیة «ونادی نوحٌ ابنه»[6] التي یستفاد من لفظ «ابنه» كتب: إنّ نسبة الفحشاء لزوجات الأنبیاء لاتجوز ولأن الأنبياء يجب أن ينزهوا عن مثل هذه الحال لأنها تعير وتشين وقد نزه الله أنبياءه عما دون ذلك توقيراً وتعظيماً عما ينفر من القبول منهم. أشار المرحوم الطبرسي إلی حدیث ابن عباس أنّه قال: «ما زنت‏ امرأة نبي قط وكانت الخيانة من امرأة نوح أنها كانت تنسبه إلى الجنون والخيانة ومن امرأة لوط أنها كانت تدله على أضيافه»[7].[8]

2. كتب الشیخ الطوسي حول هذه الآیة: لایصح انتساب كنعان بأنّه لیس ولد نوح علیه السلام لأنّ مثل هذه النسبة طعن للنبي ولا یستحق الأنبیاء مثل هذه الانتسابات.[9]

3. والعلامة الطباطبائي أیضاً في تفسیره المیزان مع ردّ دعوی أنّ كنعان حاصل ارتباط غیر مشروع من زوجة نوح كتب: الأنبیاء منزهون من هذه الأباطیل ولا تصح مثل هذه الاتهامات لنسائه.[10]

4. أبو الفتوح الرازي أیضاً في روض الجنان وروح الجنان في تفسیر القرآن جعل نفي انتساب كنعان إلی نوح مناف لتنزیه الأنبیاء من هذه المنفرات ولذلك ردّ هذا القول أیضاً.[11]

5. المرحوم فتح الله الكاشاني من المفسّرین في القرن العاشر للهجرة في كتابه منهج الصادقین ردّ احتمال أنّ كنعان لم یكن ابن نوح الحقیقي.[12]

ب. من الآیات التي أشار إلیها علماء التفسیر عند الشیعة لتنزیه زوجات الأنبیاء من الأمور المنافیة للعفة هي هذه الآیة: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ».[13] إنّ كثیراً من المفسرین الشیعین صرّحوا في تبیین مفهوم الخیانة التي أشیر إلیها في الآیة بأنّ المراد من الخیانة لیس الفجور قطعاً. لأنّ زوجات الأنبیاء مبرءات من الفحشاء والزنا. یشار إلی بعض المفسرین في مكتب الإمامیة الذین أذعنوا بهذا الأمر:

1. الشیخ الطبرسي في مجمع البیان بعد بیان أنّ زوجات الأنبیاء لا یرتكبن الفحشاء أكد بأنّ خیانة هاتین الامرأتین كانت في الدین ولیس الفجور.[14]

كتب المرحوم الطبرسي في تفسیره جوامع الجامع: «و لا يجوز أن يراد بالخيانة الفجور؛ لأنه نقيصة عند كلّ أحد، سمج‏ فى كلّ طبيعة بخلاف الكفر؛ لأن الكفّار لا يستسمجونه»‏.

2. أكد الشیخ الطوسي حول هذه الآیة بتصریح أنّ الخیانة هنا لیست بمعنی الفحشاء: «فمن نسب أحداً من زوجات النبي إلى الزنا، فقد أخطأ خطأً عظيماً».[15]

3. صرّح المرحوم الطریحي في مجمع البحرین « ولا يجوز أن يراد بِالْخِيَانَةِ: الفجور».[16]

4. كتب آیة الله مكارم الشیرازي حفظه الله: «إنّ هذین الامرأتین خانتا ولكنّ الخیانة لیست الفجور قطّ لأنّه لم ترتكب زوجة نبيٍ عملاً منافیاً للعفة لما ورد صریحاً في الحدیث: ما بغت امرأة نبي قطّ.[17]

5. كتب العلامة محمد جواد مغنیة (ره) في تبیین معنی الخیانة في هذه الآیة الشریفة: «فخانتاهما أي بالكفر والنفاق لا بالزنا والفجور».[18]

6. صرّح آیة الله معرفت (ره) أیضاً أنّ المراد من الخیانة التي وردت في الآیة العاشرة من سورة التحریم لیس الفحشاء.[19]

7. صرّح فتح الله الكاشاني المفسّر في القرن العاشر للهجرة أیضاً حول هذه الآیة مع بیان أنّ المراد من الخیانة هو النمیمة أو النفاق والكفر صرّح: المراد من الخیانة لیس الزنا لأنّ زوجات الأنبیاء مبرءات من الزنا.[20]

ج. الآیة «إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ  بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ  لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّی كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ»[21] أیضاً موضع آخر صرّح به علماء الإمامیة بأنّ زوجات الأنبیاء مبرءات من الزنا. كما كتب العلامة الطباطبائي حول هذه الآیة الشریفة: «إن تسرب الفحشاء إلى أهل النبي ينفر القلوب عنه فمن الواجب أن يطهر الله سبحانه ساحة أزواج‏ الأنبياء عن لوث الزنا والفحشاء وإلا لغت الدعوة وتثبت بهذه الحجة العقلية عفتهن واقعاً لا ظاهراً فحسب».[22]

وللعلامة محمد جواد مغنیة (ره) تصریحٌ في هذه الآیة: «إن الشيعة الإمامية يعتقدون ويؤمنون أن نساء الأنبياء جميعهن عفيفات طاهرات،.....، وأن زوجته قد تكون كافرة ولن تكون بغياً، لأن الرسول‏ أكرم على ربه وأعز من أن يجعل تحته بغياً».[23]

د. بعض علماء الشیعة بحثوا في طهارة زوجات الأنبیاء من الفحشاء حول هذه الآیة: «الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ  وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ  لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ».[24] كتب آیة الله مكارم الشیرازي حفظه الله حول هذه الآیة: لم تكن أیاً من زوجات الأنبیاء والأئمة مرتكبة الفحشاء قط والمراد من الخیانة في قضیة نوح ولوط إنما هو التجسس للكفار لا الفحشاء؛ وهذا العیب من العیوب المنفرة والأنبیاء لابدّ وأن یكونوا طاهرین من هذه الأوصاف لئلا یصبح عقیماً هدفُ النبوة الذي هو جذب الناس.[25]

5. وسائر علماء الشیعة غیر المفسّرین أیضاً صرحوا بتنزیه زوجات الأنبیاء من الفحشاء والزنا. یشار إلی بعض هذه الموارد:

1. السید المرتضی (ره) كتب حول ابن نوح علیه السلام: «و هذا الوجه يبعد إذ فيه منافاة للقرآن؛ لأنه تعالى قال: ونادى‏ نُوحٌ ابْنَهُ‏، فأطلق عليه اسم البنوّة؛ ولأنه أيضاً استثناه من جملة أهله بقوله تعالى: وأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ‏؛ ولأنّ الأنبياء عليهم السلام يجب أن ينزّهوا عن مثل هذه الحال؛ لأنّها تعرّ وتشين وتغضّ من القدر؛ وقد جنّب اللّه تعالى أنبياءه عليهم السلام ما هو دون ذلك؛ تعظيماً لهم وتوقيراً، ونفياً لكل ما ينفّر عن القبول منهم‏».[26]

2. العلامة شرف الدین (ره) أیضاً جواباً للتهمة التي أوردها البعض بأنّ الشیعة تنسب الفحشاء إلی عائشة قال: «أنها عند الامامية وفي نفس الأمر والواقع أنقى جيباً واطهر ثوباً وأعلى نفساً وأغلى عرضاً وأمنع صوتاً وأرفع جنابا وأعز خدراً وأسمى مقاماً من أن يجوز عليها غير النزاهة أو يمكن في حقها إلا العفة والصيانة، وكتب الإمامية قديمها وحديثها شاهد عدل بما أقول، على أن أصولهم في عصمة الأنبياء تحيل ما بهتها به أهل الإفك بتاتاً، وقواعدهم تمنع وقوعه عقلاً .... فنحن والله لا نحتاج في براءتها إلى دليل ولا نجوز عليها ولا على غيرها من أزواج الأنبياء والأوصياء كل ما كان من هذا القبيل.»[27]

3. المرحوم ابن شهر آشوب أیضاً بعد بیان أنّ الأنبیاء طاهرون من المنفرات أكد: «فإن كل منفر لا يجوز على الأنبياء والأئمة علیهم السلام مثل كفر الوالدين وفسق الأزواج لأنهما يتعديان إليهم».[28]

4. الملا صالح المازندراني صرّح في شرح له علی الكافي الشریف: «خيانة المرأتين ليست هى الفجور وإنما هى نفاقهما وإبطانهما الكفر وتظاهرهما على الرسولين فامرأة نوح قالت لقومه إنه مجنون وامرأة لوط دلت قومه على ضيفانه، وليس المراد بالخيانة البغى والزنا إذ ما زنت امرأة نبى قط».[29]

5. كتب المرحوم الخاجوئي في جامع الشتات: «اللائق بمنصب النبوّة نزاهتهنّ عنه وسلامتهنّ منه، ولم يقع من واحدة منهنّ، فعن ابن عبّاس: ما زنت امرأة نبيٍّ قطّ. وأمّا ما توهّم من قوله تعالى: «يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ» أنّه يدل على تلوّث ذيلها وتدنّس إزارها وقذارة ثيابها، ولذا نقل عن الحسن ومجاهد أنّه ما كان ابنه على الحقيقة وإنّما ولد على فراشه فقال: يا «رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي» على ظاهر الحال فأعلمه تعالى بأنّ الأمر على خلاف الظاهر؛ فهو فاسد يأباه‏ «وَ نادى‏ نُوحٌ ابْنَهُ» مع أنّ الأنبياء يجب أن ينزّهوا عن مثل هذه الحال لأنّها تنفر وتشين، وقد نزّه اللَّه أنبياءه عمّا دون ذلك توقيراً لهم وتعظيماً ممّا ينفر من القبول وخاصّة على مذاهب أهل الحقّ، فالمراد أنّه ليس على دينك».[30]

6. أكد الشهید المطهري بأنّ المراد من خیانة زوجة لوط ونوح علیهما السلام (فخانتاهما) لیس الفحشاء قطّ.[31]

7. القائد الأعلی (حفظه الله) أیضاً في لقاء له مع الروادید في 17 مرداد 1383 هـ.ش بالإشارة إلی آیة «كانتا تحت عبدین من عبادنا صالحین فخانتاهما»[32] قال: إنّهما خانتاهما والخیانة لیست الفجور؛ هذه الخيانة ليست الفجورَ بالضرورة، إنها خيانة اعتقادیة؛ خيانة مسلكیة؛ وانحرفا عن الطريق.[33]

8. كتب آیة الله الصافي الجولبايجاني (حفظه الله) في إظهار نظرٍ صریحٍ حول قدف عائشة وحكم نسبتها بالفحشاء: «نعم لا شك في أنها طاهرة مما قذفت به، ومن أنكر ذلك فهو كافر بالله، وبكتابه كما أن سائر أمهات المؤمنين أيضاً كلهن طاهرات مما قذفت هي به».[34]

و. في كثیر من الكتب الشیعیة أیضاً أشار علماء الإمامیة إلی روایة من الإمام الرضا علیه السلام أنّه قال: «عن الحسن بن علي الوشاء قال: سمعت الرضا (علیه السلام) يقول: قال أبو عبد الله (علیه السلام)‏ إن الله قال لنوحٍ (علیه السلام): «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ‏» لأنه كان مخالفاً له، وجعل من اتبعه من أهله- قال: وسألني كيف يقرءون هذه الآية في نوح‏؟ قلت: يقرؤها الناس على وجهين، إِنَّهُ عَمَلٌ‏ غَيْرُ صالِحٍ‏ وإنه عملُ‏ غيرِ صالحٍ‏ فقال: كذبوا هو ابنه، ولكن الله نفاه عنه حين خالفه في دينه».[35]

وردت هذه الروایة في كتب متعددة لعلماء الشیعة وتفسیرُ العیاشي من جملة هذه الكتب.

بهذه التفاصیل یتضح أنّ الشیعة ینكرون إمكان وقوع الفحشاء والزنا أیضاً من زوجات الأنبیاء. فادّعاء أنّ الشیعة ینسبون الزنا لعائشة أو لزوجة أخری من الأنبیاء إنّما هو خلاف الواقع.

والآن ربما یستند بعض مخالفي الشیعة لإثبات مدعاه إلی قول بعض علماء الشیعة، وفي القسم التالي سیتم تحلیل هذه المسألة.

نسبة الفحشاء لعائشة من عدة قلیلة من الشیعة

رغم أنه ثبت في القسم السابق أن جمهور علماء الشيعة يعتقدون أن عائشة وغيرها من زوجات الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم منزهة من الزنا والفحشاء ولكن في بعض الأحيان لوحظ أن عددًا قليلاً من الشيعة ینسبون الزنا لعائشة (والعیاذ بالله)!! أو أحيانًا في بعض القنوات الفضائية التي يديرها الشيعة یتهمون عائشة بالزنا (العياذ الله). وهذا يقود بعض المخالفین للشيعة إلى الادعاء بأن الشيعة ینسبون الزنا لعائشة مستشهدين بهذه الكلمات المرفوضة. ومع ذلك فليس من الصحيح أبدًا اعتبار قول شاذٍ من مذهبٍ على أنه رأي جميع علماء هذا المذهب. وإن صح مثل هذا يستنتج أن جميع العلماء الوهابيين يعتقدون بإمكان ارتكاب الزنا لزوجات الأنبياء (عليهم السلام). لأنّ الألباني في كتاب سلسلة الأحاديث الصحيحة نقلاً عن روايتين "الشاهد یری ما لا یری الغائب" وكذلك حديث "الإفك" (المنقول في صحيح البخاري) يدعي أن زوجات الأنبياء مثل زوجات باقي الناس لا عصمة لهن من ارتكاب أعمال مخالفة للعفة. ومن ادعى عصمة زوجات الأنبياء عليه السلام فهو مبتدع.[36]

فهل یصح ادعاء أنّ علماء الوهابیة جمیعاً لهم هذا الاعتقاد استناداً بهذا القول؟

مع غض النظر عن هذا فمن نسب من علماء الشیعة لعائشة شیئاً مخالفاً للواقع صار مورد اعتراض باقي العلماء وهذا خیر دلیل علی كون هذا القول شاذاً وأنّ عقیدته خاطئة. كما في تفسیر القمي لما نسب علي إبراهیم القمي إلی عائشة نسبة الفحشاء[37] ردّ علیه السید نعمت الله الجزائري وقال: «كثير من أصحابنا أعرض عن قبوله واستنكف عن سماعه، وهو مجرّد استبعاد لا دليل عليه.»[38]

فالقول بارتكاب عائشة للفحشاء (العیاذ بالله) المنقول من بعض علماء الشیعة لا یصحّ تسرّیه لكل المذهب لأنّ مثل هذه الأقوال الشاذة لم یقبلها جمهور علماء الإمامیة.

النتیجة

بدراسة أقوال المفسرين وعلماء الإمامية نصل إلى نتيجة مفادها أن جمهور علماء الإمامية يعتقدون أنه لا توجد حتى إمكانية وقوع الزنا من زوجات الأنبياء (عليهم السلام). لذلك فإن ادعاء ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب بأن الشيعة نسبوا الفحشاء إلى عائشة ونساء الأنبياء ادعاء لا أساس له ومرفوض. وتجدر الإشارة إلى أنه إذا ادعى عدد محدود من العلماء ورجال الدين والقنوات الفضائية التي یدیرها الشیعة أن عائشة ارتكبت الفحشاء (العياذ الله) فلا بد من معرفة أن هذه الأقوال أقوال شاذة تم الاعتراض عليها من العلماء الآخرين. لذلك لا يمكن أن تمتد مثل هذه الأقوال إلى مذهب الإمامیة بأكمله.

المنابع

1: القرآن الكریم.

 

2: ابن تیمیة، منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، المملكة العربیة السعودیة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولی، 1406 ه ق.

 

3: ابن شهر آشوب، متشابه القرآن ومختلفه، قم، دار بیدار للنشر، الطبعة الأولی، 1369 ه ق.

 

4: الآلوسي، شهاب الدین محمود، روح المعاني، بیروت، دارالكتب العلمیة، الطبعة الأولی، 1415 ه ق.

 

5: الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، الرياض، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الطبعة الأولی.

 

6: الجزايري، نعمت ‏الله، عقود المرجان في تفسير القرآن، قم، نور الوحي، الطبعة الأولی، 1388 ه ش.

 

7: الرازي، أبو الفتوح، روض الجنان وروح الجنان في تفسیر القرآن، المشهد المقدس، حرم الإمام الرضا (علیه السلام)، الطبعة الأولی،  1408 ه ق

 

8: شرف الدین، السید عبدالحسین، الفصول المهمة في تألیف الأمة، طهران، المجمع العالمي للتقریب، الطبعة الثانیة، 1423 ه ق.

 

9: الصافي الجولبایجاني، لطف الله، صوت الحق ودعوة الصدق.

 

10: الطباطبایی، محمد حسین، المیزان في تفسیر القرآن، بیروت، موسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الثانیة، 1390 ه ق.

 

11: الطبرسي، فضل بن حسن، تفسير جوامع الجامع، قم، مركز إدارة الحوزة ، الطبعة الأولی، 1412 ه.ق.

 

12: الطبرسي،  فضل بن حسن، مجمع البیان في تفسیرالقرآن، طهران، ناصرخسرو، الطبعة الثالثة، 1372 ه ش.

 

13: الطریحي، فخرالدین بن محمد، مجمع البحرين، طهران، المرتضوي، الطبعة الثالثة، 1375 ه ش.

 

14: الطوسي، محمد بن حسن، التبیان في تفسیر القرآن، بیروت، دار إحیاء التراث العربي، الطبعة الأولی.

 

15: علم الهدی، السید المرتضی، أمالي السید المرتضى (ره)، القاهرة، دارالفكر العربي، الطبعة الأولی، 1998 م.

 

16: العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العيّاشي، طهران، المطبعة العلمیة، الطبعة الأولی،1380 ق.

 

17: القمي، علي بن إبراهیم، تفسیر القمي، قم، دارالكتاب، الطبعة الثالثة، 1363 ه ش.

 

18: الكاشاني، فتح الله، منهج الصادقین في إلزام المخالفین، طهران، المكتبة الإسلامیة، الطبعة الأولی.

 

19: المازندراني، ملاصالح، شرح الكافي (الأصول والروضة)، طهران، المكتبة الإسلامیة، الطبعة الأولی، 1382 ق.

 

20: محمد بن عبدالوهاب، رسالة في الرد علی الرافضة، الریاض، جامعة الإمام محمد بن سعود.

 

21: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، دار إحیاء التراث العربی، الطبعة الثانیة، 1403 ق.

 

22: الخواجوئي، محمد إسماعيل، جامع الشتات، الطبعة الأولی، 1418ق.

 

23: المطهري، مرتضی، مجموعة آثار الشهید المطهري (ره)، قم، صدرا، الطبعة الثامنة، 1372 ه ش.

 

24: معرفت، محمد هادي، شبهات وردود حول القرآن الكریم، قم، موسسة التمهید، الطبعة الأولی.

 

25: مغنية، محمد جواد، التفسير الكاشف، قم، دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الأولی، 1424 ه.ق.

 

26: مكارم الشیرازي، ناصر، تفسیر نمونة، طهران، دار الكتب الإسلاميه، الطبعة العاشرة، 1371ه ش.

 

27: https://farsi.khamenei.ir

 


[1] ابن تیمیة، منهاج السنة، ج4، ص348.

[2] «أنهم يضاهون اليهود الذين رموا مريم الطاهرة بالفاحشة بقذف زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عائشة المبرأة بالبهتان».  رسالة في الرد علی الرافضة، ص43

[3] الآلوسي، شهاب الدین، روح المعاني، ج9، ص318.

[4] السابق، ج14، ص357.

[5] سورة هود، الآیة 46.

[6] سورة هود، الآیة 42.

[7] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار ؛ ج‏11 ؛ ص314.

[8] الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البیان في تفسیر القرآن، ج5، ص254.

[9] الطوسي، محمد بن حسن،  التبیان في تفسیر القرآن، ج5، ص493.

[10] الطباطبایي، محمد حسین، المیزان في تفسیر القرآن، ج10، ص235.

[11] الرازي، أبو الفتوح، روض الجنان وروح الجنان في تفسیر القرآن، ج10، ص240.

[12] الكاشاني، فتح الله، منهج الصادقین، ج4، ص443.

[13] سورة التحریم، الآیة10.

[14] الطبرسي،  فضل بن حسن، مجمع البیان في تفسیر القرآن،  ج10، ص479.

[15] الطوسي، محمد بن حسن، التبيان في تفسير القرآن ؛ ج‏10 ؛ ص52.

[16] « ولا يجوز أن يراد بِالْخِيَانَةِ: الفجور، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏: مَا زَنَتْ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّنْفِيرِ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وإِلْحَاقِ الْوَصْمَةِ بِهِ.»        مجمع البحرين ؛ ج‏6 ؛ ص244.

[17] مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير نمونة، ج‏24، ص301.

[18] مغنية، محمدجواد، التفسير الكاشف، ج‏7، ص367.

[19] معرفت، محمد هادي، شبهات وردود حول القرآن الكریم، ص242.

[20] الكاشاني، فتح الله، منهج الصادقین في إلزام المخالفین، ج9، ص344.

[21] سورة النور، الآیة 11.

[22] الطباطبایي، السید محمد حسین، الميزان في تفسير القرآن ؛ ج‏15؛ ص102.

[23] مغنية، محمدجواد، التفسير الكاشف، ج‏5، ص 403.

[24] سورة النور، الآیة 26.

[25] مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير نمونة، ج‏14، ص425.

[26] «و هذا الوجه يبعد إذ فيه منافاة للقرآن؛ لأنه تعالى قال: ونادى‏ نُوحٌ ابْنَهُ‏، فأطلق عليه اسم البنوّة؛ ولأنه أيضا استثناه من جملة أهله بقوله تعالى: وأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ‏؛ ولأنّ الأنبياء عليهم السلام يجب أن ينزّهوا عن مثل هذه الحال؛ لأنّها تعرّ وتشين وتغضّ من القدر؛ وقد جنّب اللّه تعالى أنبياءه عليهم السلام ما هو دون ذلك؛ تعظيما لهم وتوقيرا، ونفيا لكل ما ينفّر عن القبول منهم‏»    أمالي السید المرتضى ؛ ج‏1 ؛ ص503.

[27] «أنها عند الامامية وفي نفس الأمر والواقع أنقى جيباً واطهر ثوباً وأعلى نفساً وأغلى عرضاً وامنع صوتا وارفع جنابا وأعز خدرا واسمى مقاماً من أن يجوز عليها غير النزاهة أو يمكن في حقها الا العفة والصيانة ، وكتب الامامية قديمها وحديثها شاهد عدل بما أقول ، على أن أصولهم في عصمة الأنبياء تحيل ما بهتها به أهل الافك بتاتا ، وقواعدهم تمنع وقوعه عقلاً ولذا صرح فقيه الطائفة وثقتها أستاذنا المقدس الشيخ محمد طه النجفي أعلى بما يستقل بحكمه العقل من وجوب نزاهة الأنبياء عن أقل عائبة ولزوم طهارة اعراضهم عن أدنى وصمة فنحن والله لا نحتاج في براءتها إلى دليل ولا نجوز عليها ولا على غيرها من أزواج الأنبياء والأوصياء كل ما كان من هذا القبيل.»     شرف الدین، السید عبد الحسین، الفصول المهمة في تألیف الأمة، ص210.

[28] «فإن كل منفر لا يجوز على الأنبياء والأئمة علیهم السلام مثل كفر الوالدين وفسق الأزواج لأنهما يتعديان إليهم وما لا يكون منفرا جاز فيهم مثل كفر أولادهم وأزواجهم أو فسقهم إلا أن الفاحشة لا يجوز على أزواجه»   متشابه القرآن ومختلفه؛ ج‏1؛ ص205.

[29] المازندراني، محمد صالح بن أحمد، شرح الكافي، ج10، ص94.

[30] الخواجوئي، محمد إسماعیل، جامع الشتات ؛ ص38.

[31] المطهري، مرتضی، مجموعة آثار الشهید المطهری (ره)، ج27، ص476.

[32] سورة التحریم، الآیة 10.

[34] الصافي الجولبایجاني، لطف الله، صوت الحق ودعوة الصدق، ص53.

[35] العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي ؛ ج‏2 ؛ ص151.

[36] «قلت: والحديث نص صريح في أن أهل البيت رضي الله عنهم يجوز فيهم ما يجوز في غيرهم من المعاصي إلا من عصم الله تعالى، فهو كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعائشة في قصة الإفك: " يا عائشة! فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه.. ".   أخرجه مسلم  . ففيهما رد قاطع على من ابتدع القول بعصمة زوجاته (صلى الله عليه وآله وسلم) محتجاً بمثل قوله تعالى فيهن: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) * جاهلاً أو متجاهلاً أن الإرادة في الآية ليست الإرادة الكونية التي تستلزم وقوع المراد وإنما هي الإرادة الشرعية المتضمنة للمحبة والرضا وإلا لكانت الآية حجة للشيعة في استدلالهم بها على عصمة أئمة أهل البيت وعلى رأسهم علي رضي الله عنه، وهذا مما غفل عنه ذلك المبتدع مع أنه يدعي أنه سلفي!»     سلسلة الأحادیث الصحیحة، ج4، ص529.

[37] کتب علي بن إبراهیم حول کلمة {فخانتاهما}في الآیة 10 من سورة التحریم: "«فَخانَتاهُما» إِلَّا الْفَاحِشَةَ ولَيُقِيمَنَّ الْحَدَّ عَلَى فُلَانَةَ فِيمَا أَتَتْ فِي طَرِيقٍ وكَانَ فُلَانٌ يُحِبُّهَا فَلَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى ... قَالَ لَهَا فُلَانٌ لَا يَحِلُّ لَكِ أَنْ تَخْرُجِي مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ فَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ فُلَان"‏   تفسير القمي، ج‏2، ص377.

[38] الجزايري، نعمت‏الله، عقود المرجان في تفسير القرآن، ج‏5، ص165.

الاسم
اسم العائلة
برید الالکترونی
نص