إنّ زیارة قبر الإمام الحسين (علیه السلام) لها مكانة عالية عند كثیر من المسلمين. وفي كل عام بالإضافة إلى الشيعة یتشرف عدد كبير من أتباع المذاهب الأخرى بكربلاء لزیارة الإمام الحسین علیه السلام. إن وجود القوافل السنية في المسيرة من النجف إلى كربلاء في أیام الأربعین لسید الشهداء (عليه السلام) خیر دليل على هذا المدعی. قد يدعي البعض أن المشاركين في هذه المسيرة هم عدة من عوام أهل السنة ولذا لا مكان لأفعالهم في إثبات مشروعية هذه الحركة. ردًا على هؤلاء نقول: بصرف النظر عن عوام أهل السنة يشارك العديد من علماء أهل السنة أيضًا في المسيرة إلى كربلاء. وسیُذكَرُ في هذا المقال آراء بعض علماء أهل السنّة المعاصرين في عظمة المشي إلى مرقد أبي عبد الله الحسين (علیه السلام) وزيارة مرقده المنور. وبالطبع عبر مرور التاريخ في مقابل عدد كبير من محبي سيد الشهداء (علیه السلام) كان هناك القليل ممن عارضوا باستمرار في أعمالهم وآرائهم زيارة مرقد الإمام الحسين (علیه السلام). إنّ الوهابية وعلماءهم في طليعة هذا الاتجاه. وفيما يلي بعد بيان معنى الرحال تُنقَلُ أقوال بعض علماء الوهابية في هذا الأمر وسیناقش فیها.
المولف :  محمد باغجیقي (الباحث في مؤسسة دارالإعلام لمدرسة أهل البیت علیهم السلام-قم)
المصدر :  مختصة بموقع الوهابیة

مفهوم شد الرحال

«والرحال بِالْحَاء الْمُهْملَة جمع رَحل وَهُوَ للبعير كالسرج للْفرس وَهُوَ أَصْغَر من القتب وَشد الرحل كِنَايَة عَن السّفر (مع الخيول والجمال وغيرها).  لِأَنَّهُ لَازم للسَّفر» فشد الرحال معناه السفر.[1] لذلك فالمراد من شد الرحال لزیارة الإمام الحسين (علیه السلام) هو أن الإنسان يذهب من مدينته إلى كربلاء بقصد زيارة ضريحه المقدس.

والآن علينا أن نسأل: هل يجوز زيارة قبور الصلحاء وزيارة ضريح الإمام الحسين (علیه السلام) أم لا؟ وفيما يلي نذكر وجهة نظر الوهابية في هذا الأمر أولاً ثم يتم انتقاده وتحلیله.

وجهة نظر ابن تیمیة والوهابیة لشدّ الرحال بقصد زیارة قبر الإمام الحسین علیه السلام

یصح الادّعاء على وجه اليقين بأن ابن تيمية والوهابية مخالفون بشدة لقضية شد الرحال لزيارة قبور الصالحين. كما یصرح ابن تيمية: « فالزيارة بغير شد غير منهى عنها ومع الشد بدلیل روایة شد الرحال[2] منهى عنها».[3]

كتب ابن باز استناداً إلی روایة شدّ الرحال: أما أن يشد الرحل يسافر لأجل زيارة القبر، هذا لا يجوز.[4]

لما كان ابن تیمیة وابن باز یمنعون شدّ الرحال لزیارة جمیع القبور فیتحصل أنّهم مخالفون قطعاً شدَّ الرحال لقصد زیارة قبر الإمام الحسین علیه السلام ویعدونه أمراً غیر مشروع ومحرماً. بالإضافة إلى هاتين الجملتين یجب أن یقال: توجد تصریحات في كتب الوهابية في منع زیارة قبر الإمام الحسین علیه السلام. علی سبيل المثال، في كتاب أصول مذهب الشیعة عرّف الغفاري الحركة نحو ضريح الإمام الحسين (علیه السلام) من أسباب الشرك.[5]

بكل هذه التفاصيل يتضح أن الوهابية تبعاً لابن تيمية تحرم شد الرحال لزيارة جميع القبور بما في ذلك ضريح الإمام الحسين (علیه السلام). وأن أهم سبب ذكروه لإثبات هذا الادعاء هو روایة لاتشد الرحال. وسیأتي - أثناء فحص هذه الرواية - انتقاد وجهة نظر الوهابية وتحلیلها في المسألة المذكورة.

تحلیل وجهات نظر الوهابیة في شدّ الرحال لزیارة ضریح الإمام الحسین علیه السلام

كما ذكرنا فإن الوهابية تبعاً لابن تيمية تخالف مسألة شد الرحال لجميع القبور. أهم سبب ذكروه لهذا الأمر هو الاستناد إلی روایة: " لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ)، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى ".[6] فهم یدّعون استناداً إلی هذه الروایة أنّ شد الرحال لأيّ مكان غیر هذه المساجد الثلاثة لایجوز.[7]

الآن يجب فحص هذه الروایة لتحديد هل أنّ ادعاء الوهابية في هذا الموضوع صحيحًا أم لا؟

تحلیل روایة لا تشد الرحال

إن الاستناد إلی رواية «لاتشد الرحال» لإثبات حرمة شد الرحال لزيارة القبور أمر مردود وغير صحيح. لأنه أولاً إذا تم الاستناد بعموم هذه الروایة من أجل منع أمور مثل زيارة قبر الإمام الحسين (علیه السلام) فإنه يجب أن تمنع أمورٌ مثل شد الرحال إلى طلب العلم وشد الرحال للسفر من أجل السیاحة. ومع ذلك لا أحد من علماء الوهابية يعتبر أن شد الرحال غير مشروع في هذه الأمور. طبعاً إذا قالوا إن طلب العلم والسياحة مستثنى من أسباب أخرى (كالروايات من أجل القيام بهما) قلنا: إن مسألة زيارة القبور أیضاً من الأمور التي أوصي بها في روايات الفریقین.

وبهذا التفصيل يتضح أن موضوع هذه الرواية هو شد الرحال إلی المساجد أي أنه باستثناء هذه المساجد الثلاثة لا ينبغي أن تشد الرحال إلی مساجد أخرى. أي أن كلمة «إلی المسجد» في هذه الرواية مقدَّرة (لا تشد الرحال إلی مسجد إلا إلی ثلاثة مساجد) كما ورد في كتب مثل مسند أحمد هكذا: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة، غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا "».[8]

فإن مورد الروایة لیس أموراً مثل شد الرحال لزیارة قبور الصالحین وبالتالي فهي خارجة عن محل البحث ولذلك كان مشروعاً.

ثانیاً: إن «لا تشد الرحال» لیست ناهیة بل تشیر إلی أفضلیة هذه المساجد الثلاثة. كما كتب ابن قدامة في المغني: «وأما قوله – (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثه مساجد " فيحمل على نفي التفضيل، لا على التحريم، وليست الفضيلة شرطاً في إباحة القصر، فلا يضر انتفاؤها.»[9]

ورد في مصنف عبدالرزاق كلام من عمر بن الخطاب یؤیّد ادّعاء ابن قدامة بمعنی أنّه یصح شدّ الرحال إلی غیر هذه المساجد الثلاثة. فقد ورد: «لَوْ كَانَ مَسْجِدُ قِبَاءَ فِي أُفُقٍ مِنَ الْآفَاقِ ضَرَبْنَا إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْمَطِيِّ».[10]

ثالثاً: إنّ كثیراً من كبار علماء أهل السنة فسروا روایة شد الرحال بطرق مختلفة. وقد ذكر ابن حجر العسقلاني بعض هذه التفاسیر والتوجیهات في فتح الباري. إليك اثنان من هذه التفاسیر:

أ‌.        « أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة فإنه لا يجب الوفاء به».[11]

ب‌.   «ومنها أن المراد قصدها بالاعتكاف فيما حكاه الخطابي عن بعض السلف أنه قال لا يعتكف في غيرها».[12]

مع هذه التفاصیل فإن الاستناد برواية "لا تشد الرحال" لإثبات تحريم شد الرحال لزيارة مرقد الإمام الحسين (علیه السلام) وغيره من الصالحین أمر غير مقبول لدى جمهور الفریقین. بغض النظر عن حقيقة أنه عبر التاريخ كان عامة المسلمين بمن فيهم الصحابة والعلماء وأتباع المذاهب المختلفة يشدون الرحال إلی قبور بما في ذلك قبر الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم). یشار إلی ثلاثة من هذه الموارد:

  1. شد رحال بلال الحبشي: ورد في تأریخ دمشق لابن عساكر: « إن بلالاً رأى في منامه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول له (ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني يا بلال فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه وأقبل الحسن والحسين(علیهماالسلام) فجعل يضمهما ويقبلهما».[13] جعل الشوكاني في نیل الأوطار سند هذه الروایة جیداً حسناً.[14]

    لا یخفی أنه بحسب هذه القصة سافر السيد بلال من الشام إلى المدينة المنورة لزيارة ضريح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). وهذا يدل على مشروعیة شد الرحال عند الصحابة.

  2. شدّ رحال أتباع المذاهب المختلفة: كتب الشوكاني في نیل الأوطار: «لَمْ يَزَلْ دَأْبُ الْمُسْلِمِينَ الْقَاصِدِينَ لِلْحَجِّ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ عَلَى تَبَايُنِ الدِّيَارِ وَاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ الْوُصُولَ إلَى الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ لِقَصْدِ زِيَارَتِهِ، وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ.»[15]
  3. شدّ رحال بعض العلماء كعبدالرزاق الصنعاني: ورد في تأریخ دمشق: «قال سمعت عبد الرزاق بن همام يقول حججت فصرت إلى المدينة لزيارة قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)».[16]

وتجدر الإشارة إلى أنه لا یوجد دلیل أو قرینة تقيد التصريحات السابقة بمشروعية شد الرحال إلى قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). بصرف النظر عن حقيقة أنه كان من الأمور الرائجة عبر التاريخ زيارة قبور الصالحین حيث كانت السیدة الزهراء (سلام الله علیها) تزور قبر حمزة (عليه السلام) في منطقة أحد (التي كانت خارج المدينة المنورة) كل جمعة.[17] وروي عن ابن خزيمة[18] أنه ذهب إلى طوس لزيارة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام.[19]

النقطة الأخرى التي يجب ذكرها هنا هي أن الروايات التي توصي بزیارة القبور مطلقة ولذا تشمل الزیارة مع شد الرحال أیضاً.

مع كل هذه التفاصيل يتضح أنه بالإضافة إلى أن علماء أمة الإسلام وعامة الناس كانوا ملتزمین بزيارة الصالحين وأنّ الاستناد إلی حدیث «لا تشد الرحال» وهو أهم سبب في منع شد الرحال مخدوشٌ غیر صحیح. وعلى هذا الأساس لا منع من زيارة الإمام الحسين (علیه السلام). بالإضافة إلى المؤیدات السابقة هناك أيضًا روايات في المصادر الشيعية تدل على اهتمام أئمة أهل البيت (علیه السلام) بقضية شد الرحال لزیارة الإمام الحسین علیه السلام. سیشار إلی بعض هذه الروايات.

اهتمام أئمة أهل البیت بمسألة شد الرحال بقصد زیارة الإمام الحسین علیه السلام

أ‌.        قال الإمام الصادق علیه السلام: «مَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ زِيَارَةَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (علیهماالسلام) إِنْ كَانَ مَاشِياً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةً ومَحَى عَنْهُ سَيِّئَةً حَتَّى إِذَا صَارَ فِي الْحَائِرِ كَتَبَهُ اللَّهُ مِنَ الْمُصْلِحِينَ الْمُنْتَجَبِينَ [الْمُفْلِحينَ الْمُنْجِحِينَ‏] حَتَّى إِذَا قَضَى مَنَاسِكَهُ كَتَبَهُ اللَّهُ مِنَ الْفَائِزِينَ حَتَّى إِذَا أَرَادَ الِانْصِرَافَ أَتَاهُ مَلَكٌ فَقفَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلی الله علیه وآله) يُقْرِؤُكَ السَّلَامَ ويَقُولُ لَكَ اسْتَأْنِفِ الْعَمَلَ فَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا مَضَى.»[20]

البحث في هذه الروایة حول الخروج من المنزل بقصد زيارة قبر الإمام الحسين (علیه السلام) إطلاقاً (أي أن الزائر لا يختلف من أي مدينة كان) خاصة على الرغم من حقيقة أن الإمام الصادق (علیه السلام) كان يعيش في المدينة المنورة وأن مخاطبيه كانوا على الأقل من أهل المدينة المنورة لذلك فإنّ السفر لزيارة قبر الإمام الحسين ( علیه السلام) من بلد بعید مثل المدينة المنورة لا مانع فیه بل له فضائل كثیرة.

ب‌.   ورد في روایة أخری عن الإمام الهادي علیه السلام: «عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو الْحَسَنِ (علیه السلام) فِي مَرَضِهِ وإِلَى مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ فَسَبَقَنِي إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ مَا زَالَ يَقُولُ ابْعَثُوا إِلَى الْحَائِرِ.....» أي إلی كربلاء.[21]

ت‌.   في روایات أُخَرَ إنّ أئمة أهل البیت أمَروا أصحابهم بالتواصي بزیارة قبر الإمام الحسین علیه السلام: قال الإمام محمد الباقر علیه السلام:  «مُرُوا شِيعَتَنَا بِزِيَارَةِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ (علیه السلام) فَإِنَّ إِتْيَانَهُ يَزِيدُ فِي الرِّزْقِ ويَمُدُّ فِي الْعُمُرِ ويَدْفَعُ مَدَافِعَ السُّوءِ...».[22]

وتجدر الإشارة مرة أخرى إلى أنه بالنظر إلى حقيقة أن الإمام الباقر (عليه السلام) لم يكن حاضراً في كربلاء عندما تکلم بهذا الكلام و(على الأرجح) قاله في المدينة المنورة ومع أن الوصول من المدينة المنورة إلى كربلاء لا يمكن بدون شد الرحال فالرواية السابقة هي دليل آخر لإثبات مشروعية شد الرحال لزيارة قبر الإمام الحسين (علیه السلام).

بالنظر إلی الروایات السابقة تحصل النتیجة أنّ شدّ الرحال إلی كربلاء بقصد زیارة قبر الإمام الحسین علیه السلام أمرٌ مشروعٌ في لسان أئمة أهل البیت علیهم السلام.

ونظرًا لحقيقة أن المشي إلى مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) قد ازداد منذ عدة سنوات في أربعین الإمام الحسین علیه السلام (أي الأيام التي تنتهي إلی العشرين من شهر صفر) یُشاهَدُ أتباعُ المذاهب الإسلامیة في هذه المسيرة وهم یحضرون لزيارة الإمام الحسين (علیه السلام). والكثیر من علماء المذاهب الإسلامیة بالإضافة إلى التصریح بمشروعية هذا السفر شاركوا في هذا التجمع الكبير. یُشار فيما يلي إلی بعض آراء علماء أهل السنة المعاصرين حول مشروعية وفضيلة السفر لزيارة ضريح الإمام الحسين (علیه السلام).

آراء علماء أهل السنة المعاصرین

قبل الدخول في هذا الموضوع لابد من التنبيه إلى أن جمهور علماء أهل السنّة أفتوا بجواز شدّ الرحال لزيارة القبور. كما جاء في كتاب "موسوعة الفقهية الكويتية".[23]

مضافاً إلى ما سبق فبسبب سقوط صدام حسين في العراق تم رفع قيود أیام حكومته وبالتالي في هذه السنوات يأتي الناس من جميع الأديان والمذاهب إلى كربلاء لزيارة سید الشهداء علیه السلام. لذلك أصبحت لزیارة الأربعين قداسة أكثر ازدهارًا. وفي السنوات الأخيرة توجه عدد كبير من غير الشيعة الى كربلاء لزيارة ضريح الإمام الحسين (علیه السلام). وإن العديد من علماء أهل السنة المعاصرين بالإضافة إلى التأكيد على السفر لزيارة ضريح الإمام الحسين (علیه السلام) سافروا أيضًا إلى كربلاء لهذا الغرض. یُشار فيما يلي إلی بعض أقوال علماء أهل السنة المعاصرين حول السفر إلى مرقد الإمام الحسين (علیه السلام).

الآخوند عبد الرزاق رهبر {إمام الجمعة في آق قلا من توابع محافظة كلستان في إيران} مؤكّداً علی مسألة زیارة الإمام الحسين والأئمة (علیهم السلام) وکونها قد تم التأكيد عليها في أصول السنة يصرّح بأنّه شارك في الطريق إلى كربلاء أيام الأربعين ويرغب في حضور هذا التجمع المضيء مرة أخرى.[24]

 

قال الماموستا الملا مصطفى المحمودي إمام جمعة بيرانشهر في إشارة إلى أهمية زیارة الإمام الحسين (علیه السلام) في كربلاء: "الذهاب إلى كربلاء وزیارة الإمام الحسين (علیه السلام) يصلح في أي وقت وفي أیام الأربعین أفضل.[25]

أكد الآخوند عبد الباسط نوريزاد (إمام جمعة أهل السنة لجونباد كافوس) أن الأربعين الحسيني في الظروف الأخيرة للعالم الإسلامي يعبر عن فلسفة الإسلام ودلالة على حقانیّتنا وقال: إن ریح الإمام الحسین علیه السلام المعطر وجسده العاري من الكفن قد انتشر في العالم كله وجذب من أنحاء العالم زائرین سائرین علی الأقدام.[26]

قال الماموستا عابد النقيبي إمام جمعة أهل السنة ورئيس مجلس إفتاء سقز حول زیارة الأربعین: المشي اليوم من الشعائر الإسلامية. بالنظر إلى أوضاع المسلمين في العالم ونظرة أعداء الإسلام إلى جميع المسلمين فإن الأمر يتطلب أكثر من أي وقت مضى الاهتمام بالشعائر الإلهية. وزیارة القبور هذه التي نراها اليوم في الأربعين وذهاب الشيوخ ورجال الدين من أهل السنة الى كربلاء سيراً على الاقدام إنّها من الشعائر. على أعداء الإسلام أن يفهموا أننا نؤمن بموضوع الزیارة لدرجة أننا (أهل السنة) مستعدون للذهاب إلى هؤلاء العظماء سيرًا على الأقدام وبدون أحذية. هذا شعارٌ ضد أعداء الإسلام. إنه نوع من الوحدة بين المذاهب ولا إشكال فیه. كما أشار الماموستا النقيبي إلى الرواية النبوية "من زارني في مماتي فكأنما زارني في حياتي" وصرّح: هذا حديث نبي الإسلام العظيم صلی الله علیه وآله حديث صحيح كامل يشمل الأسرة كلها وآل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.[27]

وذكر المولوي عبد الغني الدهاني أحد علماء دار العلوم في زاهدان وأساتذتها البارزين أن أول زائر قبر الإمام الحسين (علیه السلام) كان جابر بن عبد الله الأنصاري صحابي الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم. وصرّح أیضاً: إرادة السفر مثل السفر لزيارة ضريح الإمام الحسين (علیه السلام) صحيح شرعاً ولا منع فیه.[28]

فالسفر لزیارة قبر الإمام الحسین علیه السلام مضافاً إلی كونه لا منع فیه فإنّه مؤیَدٌ من كبار علماء أهل السنة المعاصرین.

النتیجة

أهم دلیل المانعین لشد الرحال بقصد زیارة قبور الصالحین هو رواية لاتشد الرحال. إلا أنه بتصریح علماء أهل السنة فإن الاستشهاد بهذه الرواية في تحريم شد الرحال بقصد زيارة القبور أمر غير صحيح. كما أن شد الرحال بقصد زیارة قبور الصالحين أكده سلف الأمة وعامة المسلمين وأئمة المذاهب الإسلامية. كما أوصى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالسفر لزيارة ضريح الإمام الحسين (علیه السلام). بالإضافة إلى هذه الموارد ونظراً لانتشار ثقافة زیارة سید الشهداء خاصة في أیام الأربعين فقد لوحظ مرات عديدة أن علماء أهل السنة المعاصرين بالإضافة إلى السفر بقصد زيارة ضريح الإمام علیه السلام صرّحوا بمشروعیة هذا السفر وفضیلته. من جمیع هذه المباحث يمكن الاستنتاج أن السفر لزیارة الإمام الحسين (علیه السلام) أمر مشروع بل مرغوب فيه.

 


[1] «والرحال بِالْحَاء الْمُهْملَة جمع رَحل وَهُوَ للبعير كالسرج للْفرس وَهُوَ أَصْغَر من القتب وَشد الرحل كِنَايَة عَن السّفر لِأَنَّهُ لَازم للسَّفر» عینی، بدرالدین، عمدة القاري، ج7، ص252، بیروت، دار إحياء التراث العربي.

[2]  وردت في کتب الروائیة لأهل السنة روایة معروفة بروایة شدّ الرحال هکذا: «عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ) قَالَ: " لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ)، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى "» صحیح البخاري، ج2، ص60، دار طوق النجاة، الطبعة الأولی، 1422ق.

[3]  مجموع الفتاوی، ج27، ص196، المدینة، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416ه ق.

[4] «والزيارة الشرعية تجوز لكن من دون سفر، من دون شد الرحل إذا كان في البلد نفسه زاره في البلد، أما أن يشد الرحل يسافر لأجل زيارة القبر، هذا لا يجوز؛ لقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» فتاوى نور على الدرب، ج2، ص342.

[5] «ولاحظ توجيهه لفضل زيارة قبر الحسين(علیه السلام) بفعل أسباب الوقوع في الشرك نفسه من شد الرحال إلى القبر» أصول مذهب الشیعة الإمامیة الاثنی عشریة، ج2، ص462، الطبعة الأولی، 1414 ه ق. صحیح البخاري، ج2، ص60، دار طوق النجاة، الطبعة الأولی، 1422ق.

[6] صحیح البخاري، ج2، ص60، دار طوق النجاة، الطبعة الأولی، 1422ق.

[7] کما کتب الألباني: « شد الرحال والسفر خاصًة لزيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فضلًا عن قبور الأنبياء والأولياء والصالحين، هذا أمر لا يجوز في الإسلام لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» موسوعة الألباني في العقیدة، ج2، ص556، صنعاء (یمن)، مركز النعمان للبحوث والدراسات الإسلامية وتحقيق التراث والترجمة، الطبعة الأولی، 1431 ه ق.

[8] مسند أحمد، ج18، ص152، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولی، 1421 ه ق.

[9] المقدسي، ابن قدامة، المغني، ج2، ص195،  مكتبة القاهرة، 1388 ه ق.

[10] الصنعاني، عبدالرزاق، المصنف، ج5، ص133، هند، المجلس العلمي، الطبعة الثانیة، 1403 ه ق.

[11] کتب ابن حجر في فتح الباري: « أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة فإنه لا يجب الوفاء به قاله بن بطال وقال الخطابي اللفظ لفظ الخبر ومعناه الإيجاب فيما ينذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك بها أي لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك غير هذه المساجد الثلاثة» فتح الباري، ج3، ص65، بیروت، دار المعرفة، 1379 ه ق.

[12] کتب ابن حجر: «ومنها أن المراد قصدها بالاعتكاف فيما حكاه الخطابي عن بعض السلف أنه قال لا يعتكف في غيرها وهو أخص من الذي قبله ولم أر عليه دليلا» فتح الباري، ج3، ص65، بیروت، دار المعرفة، 1379 ه ق.

[13] ابن عساكر، تأریخ دمشق، ج7، ص137، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1415 ه ق.

[14] «وَقَدْ رُوِيَتْ زِيَارَتُهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ) عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ بِلَالٌ عِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ»    الشوكاني، محمد بن علي، نیل الأوطار، ج5، ص114، مصر، دار الحديث، الطبعة الأولی، 1413 ه ق.

[15] «لَمْ يَزَلْ دَأْبُ الْمُسْلِمِينَ الْقَاصِدِينَ لِلْحَجِّ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ عَلَى تَبَايُنِ الدِّيَارِ وَاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ الْوُصُولَ إلَى الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ لِقَصْدِ زِيَارَتِهِ، وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَكَانَ إجْمَاعًا.»    نیل الأوطار، ج5، ص115، مصر، دار الحديث، الطبعة الأولی، 1413 ه ق.

[16] «قال سمعت عبد الرزاق بن همام يقول حججت فصرت إلى المدينة لزيارة قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)»    تأریخ دمشق ابن عساكر، ج36، ص178، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1415 ه ق.

[17] «أَنَّ فَاطِمَةَ (سلام الله علیها) بِنْتَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ)، كَانَتْ تَزُورُ قَبْرَ عَمِّهَا حَمْزَةَ(علیه السلام) كُلَّ جُمُعَةٍ فَتُصَلِّي وَتَبْكِي عِنْدَهُ»  المستدرك علی الصحیحین، ج1، ص533.

[18] الفقیه، المحدث والمفسر السلفي في قرن 3 للهجرة.

[19] ابن حجر العسقلاني في تهذیب التهذیب هکذا ینقل: « سمعت أبا بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى يقول خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة وعديله أبي علي الثقفي مع جماعة من مشائخنا وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضي(علیه السلام) بطوس قال فرأيت من تعظيمه يعني بن خزيمة لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرعه عندها ما تحيرنا»     تهذیب التهذیب، ج7، ص388، هند، مطبعة دائرة المعارف النظامية، الطبعة الأولی، 1326 ه ق.

[20] ابن قولویه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات؛ ص132، النجف الأشرف، دار المرتضویه، الطبعة الأولی، 1356 ه ش.

[21] بحارالأنوار ج98، ص112، بیروت، دار إحیاء التراث العربي، الطبعة الثانیة، 1403 ه ق.

[22] ابن قولویه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات؛ ص132، النجف الأشرف، دار المرتضویه، الطبعة الأولی، 1356 ه ش.

[23] «ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجوز شد الرحل لزيارة القبور، لعموم الأدلة، وخصوصاً قبور الأنبياء والصالحين.» موسوعة الفقهیة الكویتیة، ج24، ص89، مصر، دار الصفوة، 1404- 1427 ه ق.

الاسم
اسم العائلة
برید الالکترونی
نص