ليس للديمقراطية أن تمنع طرفا ما من التعبير عن رأيه ومن تكوين الأحزاب ومن المشاركة في الحياة السياسية. ولكن يسود الاعتقاد أحيانا بأنّها رؤية هشّة للحكم. فباسمها وبآلياتها يمكن لمن لا يؤمن بها أن يصل إلى الحكم وإلى أن يقوضها بعدئذ.
عدد الصفحات :  0
عدد المجلدات :  0
الناشر :  المركز الديمقراطى العربى للدراسات الإستراتيجية
سنة النشر :  0
مکان النشر :  مصر
المولف :  مجموعة من الباحثين الناشر

كانت هذه هي المقاربة السائدة في البلدان العربية وكان الطرح أن الحركات الإسلامية تسعى إلى حكم شمولي وأنها تمثل خطرا على الديمقراطية الهشة التي لم تترسخ بعد. ومن ثمة لابد من حمايتها بقطع الطريق عليها والحيلولة دونها وتحقيق مرادها.

 والمفارقة أن حماة الديمقراطية في بلداننا هم من أصحاب الحكم الشمولي بدورهم وأنهم يتناسون أنّ أوروبا واجهت هذا التحدي نفسه مرارا، أشدها حين وصل جون ماري لوبان عن الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية لسنة 2002 وواجه جاك شيراك. وبدل حل الجبهة قدّر الفرنسيون أن الديمقراطية قادرة على حماية نفسها، وصوت الاشتراكيون لصالح شيراك، منافسهم التاريخي وسموا انتخابهم هذا بالانتخاب الوطني.

 ثم هبت رياح الثورات العربية، واجتاز الإسلام السياسي المغاربي الرّهان الأول بسلام نسبي وخاض تجربة الحكم. فأضحى التّحدي مختلفا، كيف له أن يخرج من تجربة الحكم بسلام، وفي البال تجربة الإخوان المسلمين المريرة والتجربة اللبيبة المتعثرة، والطريق مزروعة بالتحديات المختلفة، منها المحلي ومنها الخارجي، وهي التحديات التي طرحها المحوران الرابع والخامس من المؤلف الأكاديمي الجماعي: "إشكالية الدولة والإسلام السياسي قبل وبعد ثورات الربيع العربي: دول المغرب العربي نموذجا" .

 

أ ـ التحديات المحلية

 1 ـ عقدت جماعات الإسلام السياسي على مرّ تاريخها وجوها عديدة من التحالفات. فقد مدّت جسورا مع العسكر الطامح للسلطة حينا ومع الإسلام الراديكالي الجهادي حينا آخر ومع اليساريين والحقوقيين أحيانا. ولكن لحظة الوصول إلى الحكم والانتشاء بالفوز كانت تميل إلى التفرد الحاد بالرأي. وهذا ما أفشل بعضا من تجاربها. ولعلّ هذا التاريخ ما حوّل التعامل مع السلطة والارتقاء بالتجربة لتكون في مستوى اللحظة إلى التحدي الأكبر الذي واجهته تجربة الإسلام السياسي المغاربي. فعليها أن تتجاوز الإرباك الذي خلفه سقوط نظام بن علي وأن تتجاوز ضغائن الماضي بعد أن أصبح المضطهد ولي أمر المضطهِد وأن تتعامل مع إدارة مناهضة، محترزة، خاصّة أن الخبرة تعوز جيلا جديدا من القادة.

 ويطرح هذا التحدي في ظلّ ضغوط يمارسها المجتمع المدني لعلمنة الفضاء الديني، وتراجع سطوة الجماعات الدينية بظهور نزعة قوية للتدين الفردي الذي لا يحتاج إلى علاقة مؤسساتية لينخرط في تجربة الالتزام الديني، خاصّة أنّ المعلومات أضحت متاحة عبر الأنترنت وأنّ الدعاة في القنوات التلفزيونية أضحوا يعوّضون الهياكل التنظيمية للحركات الإسلامية التي كانت تؤطر المنضوين الجدد وتروّضهم على التلاحم وعدم شق عصا الطاعة.

 

 

2 ـ تختلف معايير الشرعية. ولئن حاز هذا الإسلام السياسي شرعية صناديق الانتخاب بمنحه فوزا غير مطلق في الحالتين التونسية والمغربية، جعلته مقتضيا لعقد التحالفات، فإنه ظل في حاجة إلى انتزاع الشرعية الشعبية عبر النجاح في تأمين المرحلة وفي قيادة الدولة. فكان عليها أن تؤمن إيمانا حقيقيا بالتعددية. فتنشئ حياة سياسية سليمة.

 لم تكن الطريق سالكة، وكان على هذه الحركات أن تخوض الصراع على واجهات عديدة، منها صراعها ضد نفسها أولا. فالتحول الديمقراطي فرض الحد من مركزية الجماعات الإسلامية في المشروع الإسلامي لصالح كيانات أخرى كالجمعيات والائتلافات الطامحة بدورها إلى مكان تحت الشمس، وأسهم في الحد من نفوذ الجماعة المتوارث. وكان عليها أن تطور من رؤيتها التنظيمية لتضمن القدرة على البقاء والاستمرار والتكيف مع الوضع الراهن وذلك بتجديد الخطاب الفكري لتتحول من الجماعة إلى جمعية مدنية تتمتع بشرعية جماهيرية عريضة.

 

3 ـ تعوّد حزبا النهضة والعدالة والتنمية على العمل السري ضمن بنى تنظيمية مغلقة، وكان عليهما أن يثبتا قدرتهما على العمل في بيئة ديمقراطية منفتحة سياسيا وإيديولوجيا. ووصولهما إلى الحكم يعني للبعض الريادة والتمتع بمآثر الحكم وبهرج السلطة. وكان التحدي الذي واجهاه هو إلى أي حدّ يمكن أن يتحملا الاختلاف بين وجهات النظر في صفوفهما وتضارب مصالح قادتهما وإلى أي حدّ يمكن أن يظلا متماسكين يعمل كل منهما بشكل موحّد بعيدا عن الانشقاقات الداخلية التي يولدها التنافس.

 

4 ـ لعل التحدي الأكبر يتمثل في صعوبة الفصل بين الدعوي والسياسي فيتخلص هذا الإسلام السياسي من نظرته لنفسه باعتباره "حارسا لقيم الإسلام" وأن يسلّم بترحيل القيم الدينية والأخلاقية من الالتزام الجماعي إلى الاختيار الشخصي للأفراد وأن يسلم بأنّ الفضاء العام فضاء دنيويا لا فضاء دينيا.

 ونضرب نحن مطالبة البعض بحق المجاهرة بالإفطار مثلا. فعندهم يمثل الصوم اختيارا شخصيا. فلا يحق للدولة أن تفرض تضييقات على المفطرين. أما الإسلام السياسي فيناور في التعامل مع هذه القيمة المدنية. وجوابه أن الصوم اختيار شخصي لكن دين الدولة المدنية هو الإسلام والفضاء العمومي ملك للدولة يجب أن تحترم فيه مرجعيتها الدينية. ومن ثمة يرى الباحثون ضرورة عدم قصر الفصل بين الدين والسياسة على النصوص وإنما يجب أن يترسّخ في الوعي والتصورات خاصة. وهذا ما لا يتحقق دائما، مما يوسّع الهوة التي تفصل بين الإسلام السياسي والأحزاب اليسارية والليبرالية ومما يجعل الأبواب مشرعة باستمرار على الصدام وعلى حياة سياسية غير مستقرة.

 ومما يضاعف من هذا التحدي ظهور معطيات جديدة لم تطرح على هذه الجماعات سابقا هي التنافس على الخزّان الانتخابي مع أطراف إسلامية قريبة. فَفُرض على خطابها أن يوجه إلى المناضلين والأعضاء من داخل الحزب والحركة وفي الآن نفسه إلى أطراف خارجه هي عامة المنتخبين والمنافسين السياسيين والشركاء في الوطن فضلا عن الرأي العام الدولي. ووجه الصعوبة هنا هو البحث عن التوازنات التي ترضي هذا الطرف الخارجي الذي يحتاج باستمرار إلى الطمأنة حول حقوق المرأة وحقوق الأقليات،وطبيعة صلاتهم المعلنة وغير المعلنة مع الحركات الإسلامية العنيفة، وترضي الرصيد الانتخابي الميّال إلى التصور التقليدي للدولة الإسلامية أو إلى المواقف الصارمة بعيدا عن المناورات والحسابات السياسية، خاصّة في ظلّ وجود أطراف تشارك في العملية الانتخابية متحفزة للسطو على هذا الرصيد، كما حدث في تونس في انتخابات 2019. فائتلاف الحرية والكرامة وحزب الرحمة قضما الكثير من رصيد النهضة. وكلاهما كان أكثر حسما في القضايا الخلافية التي أربكت حزب النهضة.

 

ب ـ التحديات الخارجية

 1 ـ من التحديات التي يواجهها الإسلام السياسي على المستوى الدولي تلك النزعة الآلية لدى الغرب لتصنيفه ضمن دائرة العنف والإرهاب وتجعل هدفه العمل على أسلمة المجتمع وتغيير عاداته. ولهذه النزعة أسباب عديدة منها الواقعي المتأثر بتجربة طالبان بأفغانستان وبخطاب القاعدة وعملياتها الإرهابية وبصدام الجمهورية الإسلامية الإيرانية المستمر مع الغرب ومدها للأذرع العسكرية في سائر بلدان الشرق الأوسط وبتجربة السودان ومغامراته في دارفور. ولكن من هذه الأسباب، جهله بخصوصيات هذه الحركات أو خوفه من متاعب محتملة جراء وصوله للحكم وهو المتأثر بالقوالب الجاهزة التي صدرتها له الأنظمة الحاكمة قبل ثورات الربيع العربي لتبرير استبدادها.

 

2 ـ جعلت حالة الفوضى والصراع، بعد انهيار الأنظمة الحاكمة وبعد تراجع سلطة الدولة، بلدانَ الربيع العربي مفتوحة أمام التدخلات الأجنية. فطبيعي ألاّ تتخلى الدول الغربية عن مصالحها، وبديهي أنها ستتدخل بصيغة أو بأخرى لتشكيل المشهد بما يتناسب وتطلعاتها. ولا شك أن طبيعة العلاقات الدولية ستجعل هذه الدول تنظر إلى الثورات من منظور واحد هو مصالحها الخاصّة بصرف النظر عن تطلعات الشعوب للديمقراطية أو العدالة الاجتماعية.

 إلى هذه الفرضيات ردّ الباحثون ما تعرض له الإسلام السياسي من ضغوط سياسية واقتصادية وإعلامية. والمواكب لأحداث الربيع العربي يدرك ولا شك أن الدول الغربية كانت حريصة على ألا تنتقل هذه الثورات إلى الأنظمة التي تخدم مصالحها وأنها عملت بالمقابل على جعلها تتسرب إلى الأنظمة التي تزعجها، بصرف النظر عن مدى صلاحها من عدمه، كتحريضها ضد النظامين السوري والليبي مثلا.

 

3 ـ تجلى هذا الاحتراز خاصة في موقف فرنسا من وصول حزب النهضة للحكم. فقد تبنت موقفا غير مرحب بهذا اللاعب الجديد. وعلى خلاف الأعراف، لم تهنئ حزب النهضة عقب فوزه بانتخابات 2011، خاصة أن له مواقف من الهيمنة الفرنكفونية ومن العلمانية ومن الحداثة ومن بورقيبة (باعتباره رمزا واختيارا سياسيا). وبعد ثلاثة أيام من ظهور النتائج الرسمية جاء تصريح الرئيس ساركوزي المهدد ضمنا بأن "فرنسا ستبقى مراقبة لاحترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية وخاصة التنوع الثقافي والديني والمساواة بين المرأة والرّجل"..

 وتطور هذا العداء بعد اللين الذي اعتمده الإسلاميون مع السلفيين باعتبارهم ذراعا عسكرية، وبعد أن أغدق عليهم الغنوشي المدح، لمّا كان يريد ترويضهم ليكونوا له قوة تدعمه ضد الخصوم. فوسم ظهورهم بالصحوة الدينية الثانية ورفض إدانة تهورهم معولا على نقلهم من "صندوق الذخيرة" إلى "صندوق الديمقراطية" كما كان يعلن. ولم يتغير موقف حزبه منهم إلا بعد انتشار عنفهم في الفضاءات العامة ووصوله إلى درجات قصوى من الخطورة كالهجوم على السفارة الأمريكية وتورطهم في الاغتيالات السياسية وهو ما تحملت النهضة فيه المسؤولية المعنوية.

 على أن التحول الكبير الذي شهدته النهضة كان إثر الانقلاب الذي نفذ ضد الرئيس محمد مرسي وأطاح بحركة الإخوان في مصر من الحكم. فأضحت أكثر وعيا بخطر التفرد بالحكم وقد اكتشفت أن لا نصير للإسلام السياسي في البلدان الغربية بعد أن تواطأت مع هذا الانقلاب وغضت الطرف، وهي التي تدافع تقليديا عن التجارب الديمقراطية وتنزع الشرعية عن الانقلابات.

 المواقف العربية بدورها كانت مناوئة لهذه الثورات وللاعبيه الجدد. ومثلت أخطر التحديات التي تواجهها إلى اليوم. من ذلك المواقف غير المعلنة من قبل أغلب بلدان الخليج. فهي لم تدعم الثورات العربية أولا، وعملت على دعم خصوم الإسلاميين ثانيا  نتيجة لتخوفها من حصول تغييرات جيو- إستراتيجية يمكن أن تطالها هي بدورها. فالحركات الإسلامية التي تصدرت المشهد امتداد لحركة الإخوان المسلمين، على الأقل على مستوى المرجعيات. وإجمالا لم يلق هذا الإسلام السياسي من تجاوب إلا من البراغماتية الأمريكية. فقد رحبت وزارة الخارجية بوصوله للحكم وأعربت كلينتون عن استعدادها للتعامل مع الوافدين الجدد، وهذا طبيعي بالنسبة للعقلية الأمريكية. فلا يضيرها أن تغير موقفها في كل حين. فقد تعاملت مع صدام حسين لما كان يوجه أسلحته صوب إيران ودعمت المجاهدين الأفغان واعتبرتهم مقاتلين من أجل الإنسانية لما كانت تستعملهم ضد الاتحاد السوفيتي. ولم يزعجها أبدا أن تغير مواقفها جذريا.

 

ت ـ إشكالية الدولة والإسلام السياسي وبعد؟

 على أهمية هذا الكتاب الجماعي وريادته في دراسة الإسلام السياسي دراسة أكاديمية إلا أن بعض مقالاته لم تسلم من السقوط في الخطاب الإيديولوجي الوثوقي الذي لا يتناسب مع وثيقة مرجعية في أثر بهذه الأهمية ومن شأن الوثوقية أن تجعل الأفكار سطحية بعيدة عن الواقع مثل ما ورد في دراسة بشرى شيبوط. فتستنتج ما يلي:

 "يظهر جليا أنّ هناك حربا على الإسلام والحركات الإسلامية تقودها الحكومات الغربية ويعاونها في ذلك الحكومات المحلية وبعض العناصر الثقافية وعملاء التغريب ضد التيار الإسلامي بحجة أنه يساند الإرهاب. فالقضية من زاوية إسلامية هي أن هذه الحرب المسماة "الحرب العالمية ضد الإرهاب" إنما هي في حقيقتها ذريعة لضرب الإسلام والقوى الإسلامية والوطنية الفاعلة في المنطقة وذلك لتعبيد الطريق أمام أمريكا لبسط نفوذها وهيبتها العسكرية وإطلاق يد إسرائيل للهيمنة الاقتصادية، بعدما تصبح، بدعم أميركا، جزءا من خارطة الشرق الأوسط الديمقراطي الكبير". فتجعل دراستها داخل المناكفة السياسية، بعيدة عن رصانة العلم والعلماء.

الاسم
اسم العائلة
برید الالکترونی
نص